أبي طالب المكي
190
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
وفي الخبر : من لم يمنعه من الحج مرض قاطع أو سلطان جائر ومات ولم يحجّ فلا يبالي مات يهوديّا أو نصرانيّا . وقال عمر : لقد هممت أن أكتب إلى الأمصار بضرب الجزية على من لم يحجّ ممن يستطيع إليه سبيلا . وعن سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي ومجاهد وطاوس : لو علمت رجلا غنيّا وجب عليه الحجّ ثم مات قبل أن يحجّ ما صليت عليه . وبعضهم كان له جار موسر فمات قبل أن يحجّ فلم يصلّ عليه . وكان ابن عباس يقول : من مات ولم يزك ولم يحج : سأل الرجعة إلى الدنيا . وكان يفسّره في هذا الآية قال : * ( رَبِّ ارْجِعُونِ . لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ ) * [ المؤمنون : 99 - 100 ] . قال : أحجّ ومثله فيقول : * ( رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وأَكُنْ من الصَّالِحِينَ ) * [ المنافقون : 10 ] . قال : أزكي وأحجّ . وكان يقول هذه الآية . أشد شيء على أهل التوحيد ومن كان ذا قوة على المشي أو ممن يصلح له أن يؤجّر نفسه وأمن التهلكة في خروجه فحجّ على ذلك كان فاضلا في فعله . وللحاج الماشي بكل قدم يخطوها سبعمائة حسنة ، وللراكب بكل خطوة تخطوها دابته سبعون حسنة ، والقوّة على المشي من الاستطاعة عند بعض العلماء . فأما فرائض الحجّ عند جملة العلماء فستة اختلفوا منها في ثلاث وهنّ : السعي ، والبيتوتة بمزدلفة عند المشعر ليلة النحر ، ورمي جمرة العقبة يوم النحر . وأجمعوا على ثلاث وهنّ : الإحرام به ، والوقوف بعرفة ، وطواف الزيارة . ولم يختلفوا في أنّ ما سوى هذه سنّة واستحباب . ومذهبي في هذا وهو مذهب الأكثر من العلماء أنّ فرائض الحج أربعة : أولها الإحرام به والوقوف بعرفة بعد زوال الشمس من يوم عرفة ، وآخر حد الوقوف قبل طلوع الفجر من يوم النحر ، وطواف الزيارة بعد الوقوف بعرفة بعد رمي جمرة العقبة ، والسعي بين الصفا والمروة بعد الإحرام بالحج إن شئت قبل الوقوف بعرفة وإن شئت بعده ، وما سوى ذلك من المناسك فمسنون ومستحبّ ، وبعضه أوكد من بعض . وفي ترك بعضه كفارة وفي بعضه لا حرج فيه . وطواف الحج ثلاثة : واحد فريضة إن تركه بطل حجه وهو طواف الزيارة ، وواحد سنة إن تركه كان عليه دم وحجه تام وهو طواف الوداع ، وواحد مستحبّ إن تركه فلا شيء عليه وهو طواف الورود . ولم نذكر من فرائض الحج وأحكامه وهيئاته في هذا الباب إلَّا قوت الأعمال ، مثل ما ذكرناه من سائر الأبواب في هذا الكتاب ، على ما يليق بيانه للمعنى الذي قصدناه فيه ، وقد أشبعنا أحكام الحج وما يقال في المشاعر في كتاب مناسك الحج المفرد . ذكر فضائل الحج وآدابه وهيئاته وفضائل الحجاج وطريق السلف السالكين للمنهاج قال الله سبحانه وتعالى : * ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ ) * [ البقرة :